لم يعد التأمين متناهي الصغر مجرد منتج مخصص لذوي الدخل المحدود، بل أصبح أحد أهم المحركات الاقتصادية التي تعتمد عليها الدول الأفريقية لتعزيز الشمول المالي، وتقليل الفجوة التأمينية، ودعم استقرار ملايين الأسر وأصحاب المشروعات الصغيرة في مواجهة الأزمات الاقتصادية والمناخية.
ومع تسارع التحول الرقمي وانتشار خدمات الدفع الإلكتروني عبر الهواتف المحمولة، بدأت شركات التأمين في القارة بإعادة صياغة نماذج أعمالها، لتوفير خدمات أكثر مرونة وأقل تكلفة، تستهدف الشرائح التي ظلت خارج منظومة التأمين التقليدي لعقود طويلة.
![]()
سوق واعد ينمو بوتيرة متسارعة
تشهد أفريقيا واحدة من أسرع معدلات النمو في قطاع التأمين متناهي الصغر، مدفوعة بارتفاع أعداد أصحاب المشروعات الصغيرة والعاملين في القطاع غير الرسمي، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا المالية.
وتشير التقديرات إلى أن قيمة السوق بلغت نحو 4.5 مليار دولار خلال عام 2025، بينما يُتوقع أن ترتفع إلى 8.4 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يصل إلى 7%، وهو ما يعكس اتساع الفرص الاستثمارية داخل هذا القطاع الحيوي.
التكنولوجيا تقود التحول
أصبحت المنصات الرقمية والهواتف المحمولة الوسيلة الأساسية لتقديم خدمات التأمين متناهي الصغر في العديد من الدول الأفريقية، حيث يمكن للمستخدم الاشتراك في وثيقة التأمين، وسداد الأقساط، والحصول على التعويضات إلكترونيًا خلال وقت قصير.
هذا التطور لم يسهم فقط في خفض التكاليف التشغيلية، بل ساعد أيضًا في الوصول إلى ملايين المواطنين في القرى والمناطق النائية، وهي الفئات التي كانت بعيدة عن الخدمات المالية التقليدية.
التأمين الزراعي في مواجهة تغير المناخ
مع تصاعد آثار التغيرات المناخية، برز التأمين البارامتري كأحد الحلول الأكثر ابتكارًا في القارة، إذ يعتمد على مؤشرات مناخية محددة مثل معدلات الأمطار أو درجات الحرارة أو صور الأقمار الصناعية لصرف التعويضات تلقائيًا عند وقوع الكوارث.
ويمثل هذا النموذج طوق نجاة لصغار المزارعين، حيث يوفر لهم السيولة اللازمة لاستمرار النشاط الزراعي دون انتظار عمليات تقييم الخسائر التقليدية.
الشمول المالي يبدأ من الحماية
يرى خبراء الاقتصاد أن نجاح الشمول المالي لا يقتصر على توفير الخدمات البنكية فقط، بل يتطلب أيضًا توفير أدوات تحمي الأفراد والمشروعات من المخاطر.
ومن هنا أصبح التأمين متناهي الصغر عنصرًا أساسيًا في منظومة التنمية، إذ يساعد أصحاب المشروعات الصغيرة والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي على الحفاظ على دخولهم ومواصلة أعمالهم عند التعرض للأزمات أو الكوارث.
تجارب أفريقية تؤكد نجاح النموذج
شهدت عدة دول أفريقية تطورات ملحوظة في هذا القطاع.
ففي كينيا، ساهمت خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول في تحويل التأمين إلى خدمة يومية سهلة الوصول، بينما ركزت جنوب أفريقيا على منتجات التأمين المرتبطة بالحماية الاجتماعية مثل تأمين تكاليف الجنازات.
أما نيجيريا، فقد نجحت في دمج منتجات التأمين مع التمويل متناهي الصغر والخدمات الرقمية، مما أدى إلى توسيع قاعدة المستفيدين، في حين اعتمدت غانا وتنزانيا وأوغندا والسنغال على شراكات تجمع بين شركات التأمين ومؤسسات التمويل الأصغر لتوسيع الانتشار في المناطق الريفية.
مصر تواكب التحولات
يشهد السوق المصري مرحلة جديدة من تنظيم نشاط التأمين متناهي الصغر، بعد صدور قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024، والذي وفر إطارًا تشريعيًا متكاملًا لتنظيم النشاط ودعم تأسيس شركات متخصصة.
كما عززت الهيئة العامة للرقابة المالية البيئة التنظيمية من خلال إصدار ضوابط حديثة لتنظيم النشاط، والتوسع في التوزيع الرقمي، والسماح للبنوك والبريد وشركات الاتصالات بالمشاركة في تسويق المنتجات التأمينية، إلى جانب رفع الحد الأقصى للتغطية التأمينية بما يتناسب مع احتياجات أصحاب المشروعات الصغيرة.
تحديات لا تزال قائمة
ورغم النمو المتسارع، يواجه القطاع مجموعة من التحديات، أبرزها انخفاض الوعي التأميني لدى بعض الفئات المستهدفة، والحاجة إلى تعزيز الثقافة المالية، بالإضافة إلى أهمية تطوير المزيد من المنتجات التي تتناسب مع طبيعة الاقتصاد غير الرسمي.
كما يمثل استمرار الاستثمار في التكنولوجيا المالية والذكاء الاصطناعي أحد العوامل الحاسمة لضمان توسع القطاع خلال السنوات المقبلة.