بعد نحو شهر من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران بدأت التداعيات الاقتصادية والإنسانية تتكشف بصورة أوسع، بعدما امتد تأثير الحرب إلى ما لا يقل عن 14 دولة، مع تضرر واسع للبنية التحتية الحيوية ونزوح ملايين المدنيين.
وتشير التطورات الحالية إلى دخول العالم مرحلة غير مسبوقة من الضغوط الاقتصادية، خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث توصف الأزمة بأنها الأسوأ في تاريخ إمدادات الطاقة العالمية. إلا أن التأثيرات لا تتوقف عند النفط والغاز فقط، بل تمتد إلى الأمن الغذائي والأوضاع الإنسانية واستقرار الاقتصاد العالمي، وسط مخاوف من استمرار آثار الحرب لسنوات طويلة.
وعلى أرض الواقع تتواصل الهجمات المتبادلة واستهداف السفن التجارية، ما يرفع مستوى المخاطر في الممرات البحرية الحيوية. كما تشهد أسواق النفط تقلبات حادة مع استقرار خام برنت عند مستويات مرتفعة، مدفوعاً بالمخاوف من تعطل الإمدادات بسبب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وفرض رسوم على السفن العابرة له، يتم سداد بعضها باليوان الصيني، في مؤشر واضح على تحولات جيوسياسية واقتصادية كبيرة.
وأدى هذا التصعيد إلى توسع شركات التأمين البحري في تصنيف أجزاء واسعة من الخليج العربي وخليج عمان كمناطق عالية الخطورة، ما تسبب في ارتفاع غير مسبوق في أقساط التأمين وتراجع التغطيات الممنوحة للسفن. ويرى محللون أن ما يحدث لا يمثل مجرد اضطراب محلي، بل يعد أكبر صدمة في إمدادات النفط منذ نحو 50 عاماً، إلى جانب كونه اختباراً غير مسبوق لسوق إعادة التأمين العالمي.
المشهد الحالي لصناعة التأمين
تواجه شركات التأمين تحديات متزايدة في فهم طبيعة الأخطار الحالية، حيث لم تعد الأزمات محصورة في نطاق جغرافي محدد. فقد تتسبب هجمات إلكترونية في تعطيل شركات تبعد آلاف الكيلومترات عن مناطق النزاع، كما يؤدي تعطل خطوط الشحن إلى شلل في سلاسل الإمداد العالمية، بينما ترفع أسعار الطاقة المرتفعة من حجم مطالبات التعويض الناتجة عن توقف الأعمال.
واعتمد قطاع التأمين تاريخياً على البيانات السابقة والنماذج الاحتمالية لتسعير الأخطار مثل الأعاصير والزلازل، إلا أن الصراعات الجيوسياسية الحالية تتسم بسرعة التغير وصعوبة التنبؤ، ما يجعل الأدوات التقليدية أقل قدرة على التعامل مع هذه الأخطار الجديدة.
المشهد الحالي لإعادة التأمين
حتى نهاية مارس 2026 يتسم موقف سوق إعادة التأمين بالحذر والاستقرار النسبي، مدعوماً بقوة رؤوس الأموال، مع استمرار الضغوط على بعض الفروع المتخصصة.
وتواصل شركات إعادة التأمين تقديم طاقات استيعابية ولكن بحذر شديد، في ظل تراكم الأخطار واتساع نطاق عدم اليقين الاقتصادي. كما أدى تعطل إنتاج النفط والغاز في الخليج إلى زيادة تقلبات أسعار السلع ورفع احتمالات حدوث موجات تضخمية جديدة.
وشهد السوق تحولاً مهماً في طبيعة تغطيات أخطار الحرب، حيث تم التخلي عن نمط التغطيات السنوية في الخليج واستبداله بنظام تسعير يعتمد على كل رحلة بحرية بشكل منفصل.
ورغم أن تعرض شركات إعادة التأمين الكبرى للأصول في الشرق الأوسط لا يزال محدوداً، فإن الأخطار غير المباشرة الناتجة عن الصراع قد تتطور بسرعة أكبر من المتوقع، ما يستدعي متابعة دقيقة ومستمرة.
أكثر فروع التأمين تأثراً
تعد أخطار الحرب البحرية الأكثر تأثراً بالأزمة الحالية، حيث ارتفعت أقساط التأمين بأكثر من 1000 بالمئة، مع إلغاء جماعي لبعض التغطيات.
كما تأثرت تأمينات أجسام السفن والبضائع والمسؤولية البحرية والطاقة بشكل كبير، نتيجة الخسائر المباشرة وارتفاع احتمالات التعرض للهجمات أو التلوث أو تعطل الرحلات.
وسجلت وثائق العنف السياسي والأخطار السياسية طلباً غير مسبوق، مع ارتفاع كبير في الأسعار مقارنة بالمعدلات السابقة. كذلك تأثرت تغطيات الأمن الإلكتروني والطيران والائتمان التجاري بسبب إغلاق المجالات الجوية واضطراب الموانئ وازدياد الهجمات السيبرانية المرتبطة بالدول.
توقعات تجديدات إعادة التأمين
لا يتوقع الخبراء حدوث تشدد واسع في سوق إعادة التأمين خلال الفترة المقبلة، لكن من المرجح تعديل بعض الاتفاقيات المرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ومن المتوقع إعادة تسعير اتفاقيات الكوارث للممتلكات وبرامج تجاوز الخسارة التي تشمل تعرضاً لمنطقة الخليج وبلاد الشام، مع فرض رسوم إضافية على الأخطار المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة والموانئ والبنية التحتية وقطاع الطاقة.
كما يرجح أن تقلل شركات إعادة التأمين من حجم التغطيات المقدمة للبرامج المرتبطة بالشرق الأوسط، مع الإبقاء على التغطية الكاملة ولكن عبر توزيعها على عدد أكبر من الأسواق وبأحجام أكثر توازناً.
رؤية اتحاد شركات التأمين المصرية
يرى اتحاد شركات التأمين المصرية أن العالم يشهد تحولاً كبيراً في طبيعة الأخطار، نتيجة تصاعد الصراعات الجيوسياسية والهجمات الإلكترونية واضطرابات سلاسل الإمداد والتغيرات المناخية.
ولهذا ركز الاتحاد خلال السنوات الماضية على نشر الوعي بمفهوم الأخطار الناشئة والمتشابكة، عبر النشرات الأسبوعية وتقارير الأخطار العالمية والملتقيات السنوية للتأمين وإعادة التأمين.
وأكد الاتحاد أن التأمين البحري لم يعد مجرد أداة لتعويض الخسائر، بل أصبح شريكاً استراتيجياً في تعزيز مرونة التجارة العالمية والتنبؤ بالأخطار ودعم استمرارية سلاسل الإمداد.
كما شدد على أهمية الاعتماد على الاكتتاب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وبناء بنية تحتية عابرة للحدود، وتوجيه رؤوس الأموال نحو الاستدامة، بهدف الانتقال من رد الفعل إلى التنبؤ بالأخطار والحد منها قبل وقوعها.