في رحلتي الأخيرة إلى الأقصر، وبين أروقة أحد الفنادق الشهيرة لفت نظري شاب مصري بسيط الملامح، لكنه يحمل في عينيه بريق حلم كبير.. اسمه محمود صلاح.
ما شدني إليه لم يكن فقط ابتسامته الصافية والمميزة والجذابة، ولا أسلوبه المهذب في التعامل مع الضيوف، بل أيضا تواضعه الشديد، ذلك النوع من التواضع الذي لا يصطنع، بل ينبع من طيب الأصل ونقاء القلب، إلى جانب الشغف الواضح الذي يحمله تجاه التصوير، وكأنه يرى العالم بعدسة مختلفة.. عدسة مليئة بالجمال، والصدق، والإنسانية.
تعرفت على محمود أثناء تغطيتي المؤتمر الرابع للتأمين متناهي الصغر، والمؤتمر الإقليمي العاشر للشمول التأميني في أفريقيا والشرق الأوسط، حيث كنت أتابع فعالياتهما بمحافظة الاقصر .
لكن وسط كل هذا الزخم الرسمي، خطف محمود انتباهي بطريقته العفوية، وكأنه يرسل رسالة صامتة بأن الشمول الحقيقي يبدأ من الإنسان نفسه، من شاب بسيط يؤمن بما يفعل.
كان يحمل هاتفه المحمول بكل بساطة، ليس بكاميرا متطورة، بل بعدسة موبايل عادية، ومع ذلك كان قلبه يسبق يديه، وبابتسامة هادئة مليئة بالود كان يلتقط اللحظات الجميلة للجميع كما لو كان جزءا منها وبحب صادق وعفوي، لم تكن الصورة مجرد صورة، بل كانت تذكارا ينبض بالإنسانية.
قال لي محمود:
أسعد لحظة عندي لما السايح يبص على صورته ويقوللي: واو.. دي أنا فعلاً؟!
لم تكن رحلة محمود سهلة أبدا، فقد بدأ حياته العملية من الصفر، متنقلا بين محافظات مصر، باحثا عن لقمة عيش شريفة، وكرامة لا يساوم عليها.
عمل كمنقذ سباحة في شرم الشيخ، وسنوركل في الغردقة، وضابط حركة بإحدى شركات السياحة، ومندوب مبيعات، وحتى منسق ممرات في أحد أكبر سلاسل السوبرماركت.
ورغم كل هذه الوظائف، ظل حلم التصوير يعيش في قلبه يكبر معه كل يوم .. واليوم، يعمل محمود في أحد الفنادق بالأقصر، لكنه لم ينس شغفه، بل حمله معه في كل زاوية من زوايا الفندق، ليحولها إلى إطار فني نابض بالحياة.
في الحقيقة، محمود ليس مجرد موظف.. بل هو وجه مشرف للمكان، وواحد من أولئك الشباب الذين يجعلونك تؤمن أن الحلم لا يحتاج إلا لقلب يحب ويد تتعب.
تحية لمحمود، ولكل شاب مصري اختار أن يعيش بشرف، ويكافح من أجل حلمه، حتى لو كانت البداية بعدسة هاتف متواضعة… لكنها ترى ما لا يراه الآخرون.