الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على سيدنا رسول الله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم وبعد ،
فمن منطلق هذا النداء الكريم ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾
أكتب هذه الكلمات لعل فيها فائدة فأقول وبالله التوفيق ، إن الحق سبحانه وتعالى عندما ينادي علينا في أية من ءايات القرءان الكريم ، فالواجب علينا السمع والطاعة ، كما قال سيدنا عبدالله بن مسعود : إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فارعها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه. رواه البيهقي في شعب الإيمان.
والله سبحانه وتعالى في هذه الأية يأمرنا بأمرين ، الأول ، تقوى الله ، وفي كل شيء ، والثاني ، القول السديد ، والسديد من السداد وهو الإِصابة والرشاد والسديد من القول ما يجتمع فيه مطابقة الواقع وعدم كونه لغواً أو ذا فائدة غير مشروعة كالنميمة وغير ذلك فعلى المؤمن أن يختبر صدق ما يتكلم به وأن لا يكون لغواً أو يفسد به إصلاح. كما قال بذلك بعض أهل علم ،
وإن من أهم الأوامر الذي يجب علينا جميعاً أن ننتبه ونستمع إليها جيداً ونطبقها في واقعنا المعاصر هذا الأمر ، خاصة عندما يكون هناك مرض اسمه الإشاعات والأخبار الكاذبة خاصة مع التقدم التكنولوجي الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي ، صحيح أن هذا المرض لم يكن وليد العصر ولكنه تفشى وانتشر بصورة مخيفة أقلقت الجميع ، فمرض الشائعات من الأمراض الخطيرة التي تهدد أمن الأفراد والمجتمعات، إذ لا برهان على صحتها، ولا دليل على صدقها،
ومرض الشائعات يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام من مصادر مجهولة الهوية غير رسمية ، وغير معنية ومنوطة بما يتم تداوله ونشره ،
ومن المؤسف والمخزي أن هذه الإشاعات مقصدها سيئ، وهدفها خبيث ، يهدف مروجوها إلى بث القلق والمخاوف والترويع لدى الأفراد ، وإثارة الفتن في المجتمعات وبها يدمرون الأمم ويشقون صفها، ويمزقون وحدتها، وذلك من خلال نشر الأكاذيب ، ويظلون وراءها حتى يصدقها الناس فتصبح حقيقة ،
وترويج الشائعات ، ونقل الأخبار الكاذبة ، وبث الفتن ، والانسياق والانصياع وراء الدعوات الهدامة أمرٌ يحرمه الإسلام، وتوعد الله سبحانه وتعالى هؤلاء الذين يروجون الشائعات والدعوات الهدامة ويبثونها في الأفراد والمجتمعات بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾سورة النور
وقال تعالى وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾سورة : المدثر
أي : كنا نـَـشْرعُ في الباطل لا نُـبالي به ، ومعناه أيضا : نخوض بالباطل، ونجادل به الحق ، لذلك توعدهم الله بسقر ، وسقر هذا ، اسم واد في جهنم والعياذ بالله
وتداول الشائعات والدعوات الهدامة والأخبار الكاذبة وبثها من الإرجاف الذي نهى عنه القرآن الكريم ولعن من يفعله : ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ﴾ [الأحزاب ] والمرجفون منافقون في قلوبهم مرض، وفي نفوسهم حقد وكراهية ، وعلى ألسنتهم كذب وبهتان.
وإن للإسلام منهجية خاصة في التعامل مع الشائعات ، فقد دلنا على الموقف الصحيح في التعامل مع الإشاعات وذلك عن طريق الوعي واليقظة، ورد الأمر إلى أهله، وهذا أمر في غاية الأهمية ، وهو رد الأمر إلى أهله ، أي إلى أولي الأمر ، أصحاب الاختصاص المعنيين بالشأن ، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء]، والمعنى أنه إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة العامة، مما يتعلق بالأمن، وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم، فعليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا، بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أولي الأمر، ممن يعرفون الأمور على حقيقتها، ويدركون ما وراء نشر تلك الأخبار من المصالح والمضار. كما قال بذلك بعض أهل علم.
أيضا أمرنا بالتثبت والتيقن من الخبر قبل نشره أو إذاعته وهذا مطلب شرعي، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾. فنحن مأمورون بالتثبت والتيقن، وعدم العجلة والتسرع بإذاعة الأخبار حين سماعها.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال : «إنَّ الْعَبْد لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مَا يَتَبيَّنُ فيهَا يَزِلُّ بهَا إِلَى النَّارِ أبْعَدَ مِمَّا بيْنَ المشْرِقِ والمغْرِبِ» حديث متفقٌ عليه.
وفي هذا الحديث إنذار ووعيد لهؤلاء الذين يروجون الشائعات ويبثونها ويشيعونها ومن هنا علينا ألا نخوض فيما لا يعنينا ، ولا نتكلم في غير تخصصنا، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع»، رواه مسلم، فالذي يتكلم بكل ما يسمعه من غير تثبت وتيقن وتحرٍ عن المصداقية، أو يخوض في الشأن العام وليس مفوضا أو مخولا بالحديث فإنه قد تحمل إثماً كبيراً وذنبا عظيما
إنما علينا أن نكون إيجابيين فنعمل على تثبيت الناس وتأمينهم وطمأنينتهم: من منطلق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «المؤمن أخو المؤمن لا يسلمه ولا يظلمه» متفق عليه، وإن لم يكن المرء عاملاً من عوامل الإيجابية فيساعد على الاستقرار وطمأنة الناس ، فلا يكن سلبياً وأقل ما يفعل عليه أن يسكت؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». متفق عليه.
وأخيراً ؛ أقول : إن فئة ضالة كرهوا الخير ، وأحبوا الشر ، كرهوا الأمن والأمان والاستقرار للناس ، وأحبوا الخوف والقلق والفتن للناس ، فاتخذوا من وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام أرضا ومرتعا خصبا يزرعون فيها فتنهم وفسادهم وضلالهم وغيهم ، فأخذوا ينشرون الشائعات والأكاذيب التي في ظاهرها الصدق والنصح ، وفي باطنها الكذب ، والتضليل وإثارة الفتن والخلاف بين أبناء الأمة الواحدة ، فلابد من الوعي واليقظة ، والحذر من السير وراء كل هؤلاء الناعقين، خاصةً الذين يخوضون في الشأن العام ، وما يتعلق
بأمن الفرد والمجتمع والوطن ، فما حصدت الشعوب والأوطان من تلك الشائعات الكاذبة والدعوات الهدامة إلا الويلات التي أحدثت التخريب والتدمير ، والانقسام ، والشتات ، فحذاري أن نكون من المرجفين الذين يخدمون أعداء الأوطان ،
وإنا والحمد لله ، كلنا واحد ، وقلبنا واحد ، ويدنا واحدة وصفنا واحد ، وهدفنا واحد ، وهو أمن وأمان وسلم وسلام وطننا الحبيب وطننا العزيز مصر
حفظ الله مصر قيادة وشعبا وجيشا وأمنا وأزهرا وكنيسة ومسلمين وأقباط وجعلها واحة للأمن والأمان والسلم والسلام وسائر بلاد العالمين ، ووقانا من شرور الفتن، ما ظهر منها وما بطن
ءامين يارب العالمين
كتب: محمد سعيد يوسف الواعظ بالأزهر الشريف