تزامناً مع اليوم العالمي للإقلاع عن التدخين والمقرر له الحادي والثلاثين من شهر مايو من كل عام، أسأل الله التوفيق والسداد والقبول والرضا
الحمدلله القائل في محكم التنزيل:﴿ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}
الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبعد؛ تزامناً مع اليوم العالمي للإقلاع عن التدخين والمقرر له الحادي والثلاثين من شهر مايو من كل عام أقول وبالله التوفيق؛ لقد جاء رسول الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بشريعة من عند الله هدفها الإنسان مقصدها الإنسان غايتها الإنسان، أراد الله بهذه الشريعة أن يحفظ على الإنسان حياته كلها، بداية من نفسه، ودينه، وعقله، وماله، ونسله، ووطنه، وحديثنا هنا معني بمقصدين من هذه المقاصد وهما « النفس، والمال » وذالك لعلاقتهما بموضوع المقال الذي جاء بعنوان {التدخين ـ اعتداء الإنسان بنفسه على نفسه وماله } تزامناً مع اليوم العالمي للإقلاع عن التدخين، فإذا كان الإسلام حرم على الإنسان الاعتداء على الغير سواء كان الاعتداء على النفس أو المال أو هما معا، وتوعد الله سبحانه وتعالى هذا المتعدي بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة، وعده من الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً، قال تعالى (﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فكيف بمن يعتدى بنفسه على نفسه وماله ؟ نعم؛ التدخين اعتداء مباشر على النفس والمال بيد صاحب النفس والمال، هذه حقيقة لا مراء ولا جدال فيها والكل يفهم بل ويعترف بذلك، والله سبحانه وتعالى نهانا في القرءان الكريم عن الاعتداء على النفس والمال، والتدخين هو الاعتداء عليها معا .
أما عن حرمة الاعتداء على النفس ففي القرءان الكريم يقول الله تعالى: « وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» وقال تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وفي السنة النبوية الشريفة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعِرْضه) رواه مسلم.
وأما عن حرمة الاعتداء على المال فإن الحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ ومن السنة ما جاء في خطبة الوداع على لسانه الشريف صلى الله عليه وسلم [إنَّ دِماءَكُم، وأمْوالَكم وأعْراضَكُم حرامٌ عَلَيْكُم كَحُرْمة يومِكُم هَذَا، الحديث .
إذا هذه الأيات والأحاديث وغيرها الكثير مفادها حرمة التعدي على النفس والمال سواء كان من الغير على الغير أو من صاحب النفس والمال على نفسه وماله، فالإسلام يحرم الإعتداء على النفس والمال أيا كانت النفس وأيا كان صاحب المال فالإسلام دين يحفظ على الإنسان حياته كلها بنفسه ودينه وماله وعقله ونسله ووطنه دون النظر إلى جنسه أو دينه أو لونه، وهذا ما أكد عليه القرءان الكريم في قوله تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ] والتدخين فيه اعتداء على النفس والمال بل والعقل والنسل أيضا ولو ظهر التدخين أو كان موجوداً في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لنهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نهى عن الخمر وغيرها من الأشياء التي نهى عنها القرآن الكريم كما جاء في الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾فجاء الإسلام بنصوص واضحة وضوح الشمس تحرم كل ما ضار بالجسم والمال، لكي يحفظ على الإنسان حياته، نفسه وماله ونسله وعقله ، قال تعالى: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ والدخان يسبب الأمراض وضار بالصحة ويؤدي إلى الوفاة كما هو معلوم لدى الجميع، والمدخن يعلم ذلك تماما كما يعلم أن الدخان قتل بطيء للنفس، سم يقتل شاربه ببطء في الدنيا، كما أنه إهدار وإسراف وتبذير وإضاعة للمال والله تعالى نهى عن ذلك فقال تعالى: ﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ففي الحديث الشريف: (لا ضرر ولا ضرار) والدخان ضرر لشاربه ولغيره خاصة المرأة الحامل وحملها والمرضع ورضيعها والأطفال الصغار إضافة إلى أن التدخين يؤذي الناس بالرائحة الكريهة والملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم .
وإن كنت أيها المدخن في شك فاسئل أهل الذكر اسأل أهل التخصص اسأل الطب وهو سيعطيك من المعلومات ما يجعلك تقلع عن التدخين إن كانت لديك الرغبة والعزيمة والإصرار على الإقلاع، سيحدثك الطب عن أضرار التدخين الصحية وأثاره السلبية والسيئة لك ولغيرك ولك أن تسأل مريضاً ذهب إلى الطبيب، ماذا طلب منك الطبيب ؟ على الفور سيجيبك بجملة مشهورة ومحفوظة ألا وهي لقد طلب مني أن أمتنع عن التدخين
ألا فلتتق الله أيها المدخن وأقلع عن هذا الذنب وهذا الجرم الكبير الذي ترتكبه في حق نفسك وفي حق غيرك .
أقلع عن هذه العادة السيئة التي تسبب ضرراً وآذى للفرد والأسرة والمجتمع، بل وتشكل خطراً كبيراً على حياتك فهو انتحار بطيء وقتل للنفس، فقد ثبت علمياً أنه سبب رئيسي للإصابة بالأمراض الخطيرة، بل ويتسبب في الوفاة، ويتضاعف احتمال وفاة المدخن مع تقدم العمر.
أيها المدخن؛ اسمح لي أن أهمس في أذنك قائلاً: ألا تعلم أن بهذا التدخين تصبح عبئا ثقيلا على المجتمع صحياً واقتصادياً واجتماعياً،
ألا تعلم سواء كنت أب أو أخ كبير أو معلم أو صاحب فأنت بالنسبة لغيرك قدوة لهم وسينظرون لما تفعل وسيقومون بتقليدك فهل ترضى أن تكون قدوة سيئة؟
ألا تعلم أن التدخين قد يكون البوابة التي تدخل منها إلى الإدمان والتعاطي والمخدرات وهذا بالفعل ما حدث مع كثير من المدخنين .
أيها المدخن؛ اعلم أنه ما من داء إلا وله دواء وأول خطوات العلاج وأهمها هي الإقلاع عن التدخين، والابتعاد عن المدخنين، والانتصار على النفس والشيطان والجليس السوء وعدم الاقتداء بالنماذج السيئة والفاسدة سلوكيا وأخلاقيا ثم إياك والتقليد الأعمى، إضافة إلى كل ذالك التوبة والاستغفار، كما أن الصيام يعين المسلم على تجنب تلك العادة السيئة، كما أنك تستطيع أن تأتي ببعض الأطعمة التي تغير لك طعم الفم وتزيل هذه الرائحة الكريهة حتى يتسنى لك أن تنسى هذا الداء الخطير
أسأل الله لي ولكم الهدامة والتوفيق والسداد والقبول.
كتب : الشيخ محمد سعيد يوسف الواعظ بالأزهر الشريف –
منطقة وعظ بني سويف